مدرسة فرانكفورت و صناعة الثقافة
للكاتب : ب. ستريناتي
نشر في أغسطس / آب 7, 2009
طباعة
ايميل
مدرسة فرانكفورت و صناعة الثقافة
ب. ستريناتي
ترجمة: سهيل نجم
إن أولئك المتآلفين مع التحليل الفكري للثقافة الشعبية قد يتساءلون فيما إذا كان الاهتمام بمدرسة فرانكفورت لايزال يستحق منا العناء. فعلى الرغم من أنه لايزال لديها بعض الأشياء المهمة فنحن لدينا الآن أساليب أفضل في معرفتها. أن نصرّ على وجهة نظر مدرسة فرانكفورت فمعناه أن نبقى ضمن مقترب ضيق وقديم الطراز في الوقت نفسه. وجهة النظر هذه ليست منتشرة على هذه الدرجة كما هي قبل سنوات قليلة. لكن الأعمال التي تنقد المنظورات النخبوية في الثقافة الشعبية تستعمل غالباً كتابات ثيودور أدورنو، إحدى الشخصيات التي تمثل المفتاح فيما يتعلق الأمر بالنظريات التي طورتها المدرسة، بوصفه مثالاً متقدماً لما يعارضونه. تعزز هذا الموقف عندما تم الإدراك بالحجم الكبير للأرضية المشتركة التي تتقاسمها المدرسة مع نظرية الثقافة الجماهيرية.
إن الجدال بين مدرسة فرانكفورت وتراثها النظري اللاحق، الذي تحرك من البنيوية والسيمولوجيا، عبر الماركسية الألتوسيرية والغرامشية، وحتى النسوية وما بعد الحداثة، هو نفسه مؤشر للدلالة المستمرة على أهمية أفكار المدرسة. هذه الأفكار لاتزال من الممكن أن تخدم مثل علامة على الصخر تستطيع النظريات الأخرى عن الثقافة الشعبية أن تقيس نفسها بها. فضلا عن ذلك، فسوية مع نظرية الثقافة الجماهيرية، أسس عمل مدرسة فرانكفورت مصطلحات النقاش والتحليل للدراسة اللاحقة للثقافة الشعبية. وكما سنرى فإن التحليل المعاصر للموسيقى الشعبية لايزال يستهل، مهما كان نقدياً، على وفق نظرية أدورنو، بينما يستحضر اسمه أحياناً كونه رمزاً لأسلوب كامل في التفكير حول النظرية والثقافة. على أية حال، من الصعوبة بمكان فهم تحليل الثقافة الشعبية دون فهم عمل مدرسة فرانكفورت.
أصول مدرسة فرانكفورت
إنطلقت مدرسة فرانكفورت للبحث الاجتماعي في عام 1923. كان مؤسسوها من الجناح اليساري الألماني، مثقفون يهود ينحدرون من الطبقة البرجوازية والوسطى للمجتمع الألماني. كان من بين وظائفها تطوير نظرية نقدية و بحثية. و تضمن ذلك عملاً هدف إلى الكشف عن التناقضات الاجتماعية التي ينبني عليها ظهور المجتمعات الرأسمالية المعاصرة وأطرها الآيديولوجية النموذجية من أجل خلق نقد نظري للرأسمالية الحديثة. من بين أهم المثقفين البارزين الذين انظموا للمدرسة، في وقت ما أو آخر، أدورنو (1903-1970)وهوركهايمر (1895-1973)و ماركوز(1898-1978). وثمة ناقد له ذات الأهمية، ولكنه، قد يكون على الهامش من المعتقدات الكبرى للنظرية التي استعملت من قبل الممثلين الذين قادوا المدرسة، هو بنيامين (1898-1940)، الذي سوف ندرسه عند نهاية هذا البحث.
كان صعود الحزب النازي إلى الحكم في ألمانيا في الثلاثينيات والاضطهاد العنصري لليهود سوية مع القمع التوتاليتاري ضد اليسار قد حتم على أعضاء المدرسة الهروب إلى أنحاء أخرى من أوربا و شمال أميريكا. وتحولت المدرسة إلى نيويورك على نحو مؤقت في بواكير الأربعينيات .
تمثل الفكرة، بأن الطبقة العاملة قد رُغبت كي تقبل بالرأسمالية، بؤرة نظرية مدرسة فرانكفورت وتحليلها للثقافة الشعبية. إنها ترتبط مع نقد التنوير الذي يرى أن الهيمنة العقلية هي هيمنة الجماهير في المجتمعات الرأسمالية الحديثة. إن مديونيتها لنظرية وثنية السلع واضحة أيضاً في أن السلع بأنواعها تصبح متوفرة ولذلك تكون أكثر قدرة في الهيمنة على وعي الناس. و تتعزز هذه الوثنية بهيمنة المال الذي ينظم العلاقات بين السلع. ويجاري هذه الأفكار مفهوم المدرسة حول الحاجات المزيفة، التي تربط ما قيل حتى الآن مع مفهوم صناعة الثقافة .
مفهوم الحاجات المزيفة عرّف خصيصاً مع عمل ماركوز، لكنه حرّف عن الإطار النظري العام للمدرسة، وهو متضمن في كتابات بعض الأعضاء الآخرين (ماركوز:1972؛ص5). لقد بني على أساس الفرضية التي تقول أن الناس لهم حاجات صحيحة أو حقيقية ليكونوا مبدعين ومستقلين وأحراراً، ممتلكين لمصائرهم، أعضاء يسهمون إسهاماً كاملاً في التجمعات الجادة والديمقراطية وقادرين على أن يعيشوا أحراراً ونسبياً يعيشون حياة غير مقيدة ويفكرون بأنفسهم. ولذلك فإنه يستقر على الزعم بأن هذه الحاجات الحقيقية لا يمكن أن تدرك في الرأسمالية الحديثة لأن الحاجات المزيفة، التي لابد لهذا النظام من رعايتها كي يستمر، تصبح مقحمة أو مفروضة عليهم. وتعمل الحاجات المزيفة على إنكار أو طرد الحاجات الصحيحة أو الحقيقية. الحاجات المزيفة التي أُختلقت ودُعمت يمكن في الواقع أن تشبع، كالرغبات المشبعة حسب الطريقة الاستهلاكية، ولكن فقط على حساب الحاجات الحقيقية التي تبقى غير مشبعة .
يحدث هذا لأن الناس لا يدركون أن حاجاتهم الحقيقية بقيت غير مشبعة . فنتيجة التنبيه والتحقق للحاجات المزيفة، ينالون ما يظنون أنهم يريدونه. مثال ذلك الحرية. الناس الذين يعيشون في المجتمعات الرأسمالية يظنون أنهم أحرار لكنهم يضللون أنفسهم. إنهم ليسوا أحراراً بالمعنى الذي استعملته مدرسة فرانكفورت للمصطلح. إنهم ليسوا بشراً أحراراً مستقلين، ويفكرون بأنفسهم بوعي. بل بالأحرى أن حريتهم محددة بحرية الاختيار بين مختلف السلع الاستهلاكية أو مختلف العلامات للسلعة ذاتها، أو بين الأحزاب السياسية المتشابهة. إن السلع المزيفة بالنسبة للمستهلك واختيار الناخب الذي يقدم بالإعلان والديمقراطية البرلمانية كل هذه تكبح الحاجات الحقيقية للمنتجات المفيدة والحرية السياسية الأصيلة. إن رعاية الحاجات المزيفة تتحدد بدور صناعة الثقافة. ترى مدرسة فرانكفورت أن صناعة الثقافة تؤمّن خلق وإشباع الحاجات المزيفة وقمع الحاجات الحقيقية. وهذا ما يكون مؤثراً جداً مما يجعل الطبقة العاملة في موضع لا يؤهلها لأن تشكل تهديداً لاستقرار واستمرارية الرأسمالية.
صناعة الثقافة
تعكس صناعة الثقافة، وفقاً لما تراه مدرسة فرانكفورت، وثنية السلعة في هيمنة القيمة التبادلية وسطوة الرأسمالية في احتكار السلطة. إنها تشكل الأذواق وما تفضله الجماهير، وهي بهذا تقولب وعيهم بتوجيه الرغبات نحو الحاجات المزيفة. ولذلك تعمل على طرد الحاجات الصحيحة والحقيقية والنظريات أو المفاهيم البديلة والراديكالية. إنها فعالة جداً في عمل ذلك حتى أن الناس لا يدركون ما الذي يجري.
وفي إعادة الاعتبار لمفهوم صناعة الثقافة الذي نشر أولاً في 1975، يكرر أدورنو مصادقته على تلك الأفكار. إنه يميز بوضوح فكرة صناعة الثقافة عن الثقافة الجماهيرية، لأن المفهوم الأخير يفترض أن الجماهير تتحمل بعض المسؤولية الأساسية عن الثقافة التي تستهلكها، أي أنها مقررة من قبل تفضيلات الجماهير ذاتها. واكثر من منظري الثقافة الجماهيرية، رأى أدورنو أن هذه الثقافة شيء مفروض على الجماهير، وهي التي تجعلهم مستعدين للترحيب بها على أنها معطاة لهم دون أن يدركوا أنها مفروضة.
ويعود أدورنو إلى الكتاب الذي كتبه مع هوركهايمر الذي كان عنوانه "ديالكتيك التنوير" (الذي نشر عام 1944) ليعرف ما الذي قصد به بمفهوم صناعة الثقافة:
"في كل فروعها، و نتاجاتها التي تحاك للاستهلاك من قبل الجماهير، والتي تقرر إلى حد بعيد طبيعة هذا الاستهلاك، فإنها تصنع إلى حد ما على وفق خطة. الفروع الفردية متشابهة في التركيب أو على الأقل تناسب بعضها البعض، منظمة نفسها حسب نظام يكاد يكون دونما فجوة. ذلك ما يكون ممكناً بوساطة الإمكانيات التقنية المعاصرة، بالإضافة إلى التركيز الاقتصادي والإداري. إن صناعة الثقافة تدمج مستهلكيها من الأعلى عمداً. إنها تقتحم كلاً من مجالي الثقافة الرفيعة والثقافة الهابطة للإضرار بهما، بعد أن كانا منفصلين منذ آلاف السنين. فجدية الفن الرفيع تحطم في المضاربة بفعاليته؛ وجدية الهابط تتلاشى بالقيود الحضارية المفروضة على المقاومة المتمردة المتوارثة فيه ما دام التحكم الاجتماعي غير مكتمل بعد. لذلك، على الرغم من أن صناعة الثقافة تضارب دون شك على الحالة الواعية وغير الواعية للملايين الذين تتوجه إليهم، فإن الجماهير ليست لها الأولوية بل هي ثانوية، إنها هدف الحسابات، لاحقة للآلة. المستهلك ليس ملكاً، كما تريد صناعة الثقافة أن تقنعنا، ولا هو موضوعها بل هدفها."
( أدورنو: 1991؛ص85)
إن السلع التي تنتجها صناعة الثقافة تتحكم بها الحاجة لإدراك قيمتها في السوق. و يقرر دافع الفائدة طبيعة الأشكال الثقافية. من الناحية الصناعية، يكوّن الإنتاج الثقافي عملية معايرة تكتسب فيها المنتوجات الشكل المتعارف عليه لكل البضائع – مثل "أفلام الغرب، التي اعتاد عليها كل متفرج للسينما". لكنها أيضاً تمنح إحساساً بالفردية بمعنى أن كل إنتاج "يثير جواً فردياً" . هذا العزو للفردية في كل إنتاج، و بالنتيجة لكل مستهلك، يخدم في تضبيب المعايرة ومهارة استعمال الوعي المتمثلة في صناعة الثقافة (المصدرنفسه ؛ ص86-87). هذا معناه أنه كلما تتعير المنتوجات الثقافية حقاً كلما تبدو وقد جعلت فردية. فالفردية عملية آيديولوجية تخفي عملية المعايرة. ويرد نظام النجم الهوليودي مثالاً: "كلما زادت صناعة الثقافة في تجريد أساليبها من الإنسانية في التشغيل والقناعة، كلما زاد انتشار الشخصيات العظيمة المفترضة لصناعة الثقافة على نحو متقن وناجح واشتغلت مع نبضات القلب" (المصدر نفسه ؛ص87).
ورداً على الادعاءات بأن الثقافة الجماهيرية الحديثة هي نسبياً شكل من التسلية غير ضار، وهي استجابة ديمقراطية لحاجة المستهلك، وأن نقاداً مثله يتخذون مواقع ثقافية مختارة، يؤكد أدورنو على الفراغ والتفاهة والانسجام التي ترعاها صناعة الثقافة. إنه يراها قوة مدمرة. و كما قال: "إن الفلم الملون يدمر الحانة الأنيسة إلى حد بعيد أقسى مما تستطيعه القنابل … . ليس ثمة وطن يمكن أن يبقى لأنه يعالج بالأفلام التي تمجده، والتي من أجل ذلك تحول الشخصية الفريدة التي تنميها بقوة إلى تماثل متبادل ’(المصدر نفسه ؛ ص89). أن نهمل طبيعة صناعة الثقافة، كما عرّفها أدورنو، فهذا يعني الخضوع لآيديولوجيتها.
هذه الآيديولوجيا تفسد و تحسن عملها، تبني أساساً لهيمنة السوق ووثنية السلعة. إنها في الوقت نفسه تخضع وتخدر الذهن، مقحمة القبول الشامل للنظام الرأسمالي. بالنسبة لأدورنو، "إن مفاهيم النظام التي تغرزها صناعة الثقافة في البشر تكون دائماً تلك التي تعود للوضع الراهن" (المصدر نفسه ؛ص90). ونتائجها بعيدة وصعبة الوصول:"إن سلطة آيديولوجيا صناعة الثقافة هي تلك التي أبدلت الوعي بالمطابقة" (المصدر نفسه.) هذا الانسياق نحو المطابقة لا يسمح بالانحراف عنه، أو معارضته، ولا حتى رؤية بديلة للنظام الاجتماعي الموجود. إن طرق سلوك التفكير المنحرفة والمعارضة والبديلة تصبح شيئاً فشيئاً من المستحيل تخيلها كلما انتشرت سلطة صناعة الثقافة بين عقول الناس. إن صناعة الثقافة تتعلق بالأكاذيب لا بالحقائق، بالحاجات المزيفة والحلول المزيفة، لا بالحاجات الحقيقية والحلول الحقيقية. إنها تحل المشاكل "من الخارج فحسب"، وليس كما ينبغي من العالم الحقيقي لها. إنها تقدم الشكل وليس الجوهر لحل المشكلات، تقدم القناعة الكاذبة للحاجات المزيفة على أنها بديل للحل الحقيقي للمشاكل الحقيقية. وبعملها هذا، فإنها تصادر وعي الجماهير.
هذه الجماهير، بعيني أدورنو، تغدو مسلوبة الإرادة تماماً. فالسلطة ترتبط بصناعة الثقافة. إن منتجاتها تشجع المطابقة والإجماع اللذان يؤكدان على طاعة السلطة الحاكمة، واستقرار النظام الرأسمالي. إن قدرة صناعة الثقافة في "إبدال" وعي الجماهير بالمطابقة الأوتوماتيكية هو شيء كامل قليلاً أو كثيراً. إن تأثيرها، تبعاً لأدورنو :
"ينحصر في تعزيز واستغلال ضعف -الأنا التي يدان بها الأعضاء المسلوبي الإرادة من المجتمع المعاصر بسلطته المتمركزة. إن وعيهم يسير حثيثاً نحو التقهقر. وليس من المصادفة أن منتجي الأفلام الأميريكية الساخرة قد سمعوا وهم يقولون أن أفلامهم يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مستوى عمر الإحدى عشر سنة. وهم في فعلهم ذاك يودون حقاً أن يجعلوا البالغين بعمر الإحدى عشر سنة ". (نفسه:ص91)
إن سلطة صناعة الثقافة، كي تؤمن الهيمنة والاستمرار للرأسمالية، تكمن، بالنسبة لأدورنو، في قابليتها لتشكيل وإدامة جمهور عام انكفائي وتابع وسلبي واستهلاكي ذليل. أريد الآن توضيح بعض من هذه الأفكار أكثر من خلال النظر في مثال الموسيقى الشعبية .
صناعة الثقافة و الموسيقى الشعبية
ربما تكون نظرية أدورنو عن الموسيقى الشعبية هي الجانب الأكثر شهرة في تحليله لصناعة الثقافة. إنها محددة بنظريات وثنية السلعة وصناعة الثقافة. وعلى الرغم من أن أدورنو نفسه مثقف موسيقي ومؤلف موسيقي ممارس، وخبير موسيقى ومن مؤيدي الموسيقى الطليعية غير التجارية، فإنه يقضي القليل جداً من الوقت في سماع الموسيقى التي تنتجها الشركات الاحتكارية والتي يستهلكها الجمهور العام ، عدا أنه يعدها طريقة في الكشف عن سلطة صناعة الثقافة والتغريب الذي يوجد لدى الجماهير في المجتمعات الرأسمالية .
وتبعاً لأدورنو، فإن الموسيقى التي تنتج من قبل صناعة الثقافة مهيمنة بوساطة عمليتين: المعايرة والفردية المزيفة. والفكرة هنا أن الأغاني الشعبية وصلت إلى أن تبدو متشابهة. إنها تتميز بإفراط بالبناء نفسه، وأجزاء هذا البناء من الممكن أن تتبادل المواقع مع بعضها البعض. وعلى أية حال فهذا البناء مخفي بالزخارف الخارجية والتنويعات غير المألوفة أو الأسلوبية المرتبطة بالأغاني على أنها علامات فرادتها المزعومة. تشير المعايرة إلى التشابهات الجوهرية بين الأغاني الشعبية؛ والفردية المزيفة إزاء اختلافاتها العرضية. تعرّف المعايرة بأنها الطريقة التي تطرد فيها صناعة الثقافة أي نوع من التحدي والأصالة والتوثيق أو الإثارة الفكرية من الموسيقى التي تنتجها، بينما تجهز الفردية المزيفة ‘الصنارة’، البدعة الواضحة أو فرادة الأغنية للمستهلك. تعني المعايرة أن الأغاني الشعبية تغدو متشابهة أكثر وأن أجزاءها و أشعارها ومنشديها من الممكن أن يتبادلوا المواقع، بينما تخفي الفردية المزيفة هذه العملية من خلال إظهار الأغاني وكأنها تبدو أكثر تنوعاً ومتميزة الواحدة عن الأخرى .
التناقض الذي يرسمه أدورنو بين الموسيقى الكلاسيكية والطليعية من جهة والموسيقى الشعبية من جهة أخرى، يسمح له بتمديد نقاشه. فتبعاً لأدورنو، في الموسيقى الجادة كالكلاسيكية أو الطليعية، كل تفصيل يكتسب معناه الموسيقي من كلية المقطوعة الموسيقية، ومن موقعه ضمن هذه الكلية. ولا ينطبق هذا على الموسيقى الشعبية أو الخفيفة. في الموسيقى الشعبية، "من الممكن تبديل بداية المنشدين مع بدايات لا حصر لها للمنشدين … كل تفصيل من الممكن إبداله ؛ إنه يقوم بوظيفته فحسب على أنه عجلة في ماكنة" (1991؛ص303؛ طبع في الأصل عام 1941). الاختلاف ليس كبيراً بين التعقيد والبساطة لذاتها، لأن مفتاح التمييز، حسب وجهة نظر أدورنو، التي تؤسس لتفوق الموسيقى الجادة على الشعبية، هو بين المعايرة واللامعايرة. والسبب المهم في هذا أن "المعايرة البنيوية تهدف إلى ردود فعل محسوبة". هذه المميزات ليست من خصائص الموسيقى الجادة: "كي نجمل الاختلاف: في موسيقى بيتهوفن وفي الموسيقى الجادة والجيدة عموماً …التفصيل يحتوي عملياً على الكل ويقود إلى عرض الكل، بينما في الوقت نفسه يكون هو منتَج من مفهوم الكل. في الموسيقى الشعبية تكون العلاقة اتفاقية. التفصيل ليس له صلة بالكل، الذي يبدو مثل إطار غريب" (المصدر نفسه ؛ص304). من وجهة نظر أدورنو، فإن واحدة من التحديات القليلة الممكنة لصناعة الثقافة ووثنية السلعة تأتي من الموسيقى الجادة التي تتخلى عن النموذج السلعي لأن من غير الممكن أن يحتويها الإنتاج المعياري أو الاستهلاكي.
أحد الأسباب لذلك أن أولئك الذين يستمعون إلى الموسيقى الشعبية يأخذهم "المظهر الخادع "للتأثيرات" الفردية" (المصدر نفسه ص302)، التي تخفي معيارية الموسيقى، وتجعل المستمعين يظنون أنهم يستمعون إلى شيء جديد ومختلف. يميز أدورنو بين الإطار الخارجي وتفاصيل القطعة الموسيقية. الإطار الخارجي تتبعه المعيارية التي تخرج "نظاماً للاستجابة الميكانزمية الذي هو العدو اللدود للفردية المثالية في مجتمع حر ليبرالي" (المصدر نفسه ص305). هذا يعني أن التفاصيل لابد أن تمنح المستمع إحساساً بهذه الفردية المضطهدة. ليس من الضروري أن يصبر الناس على المعيارية الموسيقية لوقت طويل، لذلك فالحس بالفردية ضمن عملية الاستهلاك الموسيقي لابد من المحافظة عليه. ومن هنا فإن "المعادل الضروري للمعيارية الموسيقية هو "الفردية المزيفة"" (نفسه:ص308). و هذا يتضمن "تقديم إنتاج الثقافة الجماهيرية مع هالة حرية الاختيار أو السوق المفتوحة على أساس المعايرة ذاتها. إن معيارية نجاحات الأغنية تجعل الزبائن في طوابير للاستماع إليها، إذا جاز التعبير. الفردية المزيفة، من جانبها، تجعلهم في صف بأن تجعلهم ينسون أن ما يستمعون إليه كانوا قد استمعوا إليه من قبل أو "هضم من قبل"’(نفسه). الأمثلة على الفردية المزيفة تتضمن التحسين الذي يوجد في أشكال معينة من الجاز، ومن خيط "الصنارة" لأغنية ما، و التنوع البسيط من العادي الذي يجعل الأغنية آسرة و جذابة، ويمنحها مظهر الجدة.
الواضح من هذا أن أدورنو ليست لديه فكرة رفيعة عن الموسيقى الشعبية، وأن وجهة نظره عن جمهورها منسجمة مع نظريته العامة. إنه يحاول البرهنة "أن نظير نظرية الوثنية في الموسيقى هي النكوص في الاستماع" (1991؛ص40). المستمعون المنجذبون للموسيقى الشعبية يكونون مهيئين من خلال ميزاتهم الطفولية؛ "إنهم أسرى مرحلة الطفولة … إنهم صبيانيون، لم تأت بدائيتهم من اللاتطور، بل من الإعاقة بالقوة … إن النكوص الحقيقي جاء من … إمكانية وجود موسيقى مختلفة معارضة" (نفسه؛ص41). إن المستمعين بحاجة حقاً لموسيقى من النوع الأخير، ولكن تبعاً لذهنيتهم الطفولية يستمرون في الاستماع للموسيقى الشعبية: "المستمعون النكوصييون يتصرفون كالأطفال، مرة بعد أخرى يطلبون بخبث عنيد صحن الطعام نفسه الذي أكلوا منه قبلا" (نفسه ص45). وعليه، فهم يعانون من الوهم بأنهم يمارسون نوعاً من التحكم والاختيار في قضاء أوقات الفراغ. و يورد أدورنو مثالاً عن فرق رقص "الجتربغ"،
"إنهم من جمهور المعاقين الذين يميزون أنفسهم من خلال النشاط المزيف ولذلك يجعلون النكوص أشد وضوحاً … إنهم يسمون أنفسهم جتربغ، كأنهم يريدون بين الحين والآخر أن يؤكدوا ويسخروا من فقدانهم لفرديتهم. إن تحولهم إلى خنافس يدور بهم مذهولين. عذرهم الوحيد أن مصطلح الجتربغ، مثل كل تلك الصروح الخيالية في الأفلام و الجاز، قد غرز بهم من قبل المقاولين كي يجعلونهم يظنون أنهم في صلب الفن. إن لذتهم دونما قناعة . …إنها مؤسلبة مثل اللذات الوحشية الذي يعيشها المتوحشون عندما يقرعون طبول الحرب. فلها مظاهر تذكر برقصة القديس فيتوس أو ردود أفعال الحيوانات الذبيحة.
(نفسه ؛ص46).
وتبعاً لأدورنو، الاستماع النكوصي "الذي هو الإطار العقلي الذي تنتمي إليه الموسيقى الشعبية في الأصل، والذي تتغذى عليه، والذي دائماً ما تعززه، هو في الوقت نفسه، لهو وغفلة. المستمعون يهربون من احتياجات الواقع بالتسلية التي لا تحتاج حتى إلى التركيز" (1991؛ص309-310). يشترط نمط الإنتاج الرأسمالي استماعاً نكوصياً. الهوايات الرفيعة كالموسيقى الكلاسيكية يمكن أن تقوم فقط من قبل أولئك الذين يعني عملهم أو موقعهم الاجتماعي أنهم ليسوا بحاجة للهروب من الملل والجهد في وقت الفراغ. تقدم الموسيقى الشعبية الاسترخاء والراحة من مجهودات "العمل الميكانيكي" وخصوصاً لأنها لا تتطلب شيئاً أو صعوبةً، لأنها من الممكن الاستماع إليها بطريقة ذاهلة لا تحتاج إلى انتباه. الناس يرغبون الموسيقى الشعبية، جزئياً لأن الرأسماليين "يغرزونها" في أذهانهم ويجعلونها تبدو مرغوبة. لكن رغبتهم تغذى أيضاً بالتنسيق بين الإنتاج والاستهلاك الذي يميز حياتهم في المجتمع الرأسمالي.
الناس يرغبون الموسيقى الشعبية لأن استهلاكهم للمنتجات المعيرة يعكس الطبيعة المعيرة والمكررة والمملة لعملهم في الإنتاج. "سلطة عملية الإنتاج، بالنسبة لأدورنو:
"تمتد على الفترات الزمنية التي تبدو سطحياً كأنها "حرة". إنهم يريدون بضائع معيرة وفردية مزيفة، لأن وقت فراغهم هو هروب من العمل وفي الوقت نفسه يقولب إلى الحالات النفسية التي يروضهم عليها عملهم اليومي تماماً. إن الموسيقى الشعبية هي بالنسبة للجماهير الإجازة الدائمة لسائق الحافلة. لذلك، من المبرر الكلام اليوم عن هارموني سابق بين إنتاج واستهلاك الموسيقى الشعبية. إن الناس يعملون الجلبة لما سينالونه على أية حال.
(نفسه؛ص).
بالنسبة لأولئك الناس، يسير الإنتاج المعير يداً بيد مع الاستهلاك المعير. الفردية المزيفة تخلصهم من الجهد الذي يبذلونه في تلقي رواية أصيلة في وقت فراغهم الثمين. كل من هاتين العمليتين تتضمن الذهول وعدم التركيز التي تحدد الاستماع النكوصي.
المظهر الأخير من نظرية أدورنو الذي نحتاج النظر إليه يتعلق بزعمه أن الظواهر الثقافية كالموسيقى الشعبية تعمل على أنها شكل من "السمنت الاجتماعي"، مكيفة الناس تبعاً لواقع الحياة التي يعيشونها. ويبدو أن أدورنو يرى أن أغلب الناس في المجتمعات الرأسمالية يعيشون حياة محدودة ومفتقرة وغير سعيدة. ومن وقت لآخر يصبحون واعين لهذا، أو يجعلون واعين لهذا. إن الموسيقى الشعبية والأفلام لا تعمل في الحقيقة على إنكار هذا الوعي، ولكنهم يعملون على مصالحة الناس مع قدرهم. الأوهام و السعادة و الحلول والتكيف مما تقدمه الموسيقى الشعبية والأفلام كي تجعل الناس يدركون الدرجة الكبيرة التي تفتقد بها حياتهم الحقيقية لهذه الخواص، وإلى أي درجة كبيرة تبقى غير محققة و غير مشبعة. على أية حال يستمر الناس متكيفين لأحوالهم الحياتية مادام:
"العمل الحقيقي للموسيقى العاطفية يكمن بالأحرى في التحرير الموقت الذي يمنح للوعي الذي افتقد المرء تحققه …لقد غدت الموسيقى الانفعالية تمثل صورة الأم التي تقول، "تعال وابك يا صغيري." إنها عملية تطهير للجماهير، لكنها التطهير الذي يضعهم بحزم شديد في الصف … الموسيقى التي تسمح لمستمعيها بالاعتراف ببؤسهم الذي يروضهم، من خلال هذا “التحرر” ليعيشوا في تبعيتهم الاجتماعية ."
(نفسه؛ص313-314)
قد نتساءل فيما إذا لايزال الناس مذهولين وغير منتبهين عندما يجعلونهم يعرفون بؤس حياتهم من خلال وسيلة الموسيقى الشعبية، وقد نرغب في سؤال أحد ما يحكم في الخاصية الشعورية والثقافية لحيوات الناس الآخرين بهذه الطريقة، ولكننا نستطيع على الأقل أن نرى كيف أن أدورنو يفهم الموسيقى الشعبية على أنها نوع من “السمنت الاجتماعي” . إن تسلياتها وتطهيراتها تمكن الناس من أن يخضعوا أنفسهم للواقع الحياتي القاسي وغير المقنع في المجتمع الرأسمالي. الأغنية الشعبية والفلم الهوليودي يثنيان الناس عن مقاومة النظام الرأسمالي ومن المحاولة لبناء مجتمع بديل قد يكون فيه الأفراد أحراراً و سعداء و مقتنعين.
نظرية أدورنو في الموسيقى الشعبية و الكاديلاك و الدو-ووب
حاول جندرون في مقالة ذات فائدة كبيرة عنوانها "ثيودور أدورنو يقابل الكاديلاك" (1986) أن يقيّم نظرية أدورنو عن الموسيقى الشعبية مطبقاً ذلك على مثال لموسيقى الدو-ووب. وفي عمله ذاك يقدم تقييماً نقدياً لنظرية أدورنو. الكاديلاك المذكور في عنوان المقال هو إشارة لكل من السيارة وفرقة الدو-ووب.
يستعمل جندرون في الحقيقة مثال إنتاج السيارة من أجل توضيح ما الذي يقصده أدورنو في محاولته للبرهنة بأن الرأسمالية تعمل على معايرة السلع. تتضمن المعايرة تبادلاً داخلياً للأجزاء سوية مع الفردية المزيفة. وطبقاً للمعايرة فإن الأجزاء من الصنف عينه من الممكن تبديلها بعضها بالبعض الآخر، بينما استعمال الأسلوب أو الفردية المزيفة – مثل إضافة زعنفة الذيل للكاديلاك تميز السيارات الواحدة عن الأخرى، وتخفي حقيقة حدوث المعايرة. وتبعاً إلى جندرون فإن أدورنو يبرهن أن ما هو صحيح عن السيارات هو صحيح عن الموسيقى الشعبية أيضا. كل منهما متميز بجوهر ومظهر، الجوهر خاضع للمعايرة، والمظهر خاضع للفردية المزيفة. عملية المعايرة محددة بالحياة التي على الناس أن يحيوها في المجتمعات الرأسمالية والحالة المتدنية للموسيقى الشعبية حينما تقارن بالكلاسيكية والطليعية. ويشير جندرون أيضاً أن معايرة الموسيقى الشعبية، حسب وجهة نظر أدورنو، تحدث تعاقبياً (أي على مدى الزمن كما تقتضي معايير الموسيقى الشعبية )، إضافة إلى أنها تحدث تزامنياً (المعايير التي تنطبق على أي نقطة محددة في الزمن ).
يستعمل جندرون مثالاً عن الدو-ووب، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الموسيقى الشعبية، ليقيم نظرية أدورنو نقدياً. إنه لا يرفض نظرية أدورنو كلياً. فمثلاً، يقترح "أن المعايرة الصناعية ميزة مهمة للموسيقى الشعبية، و لابد أن تؤخذ على محمل الجد في أي تقييم سياسي للنمط" (1986؛ص25). ويناقش أيضاً أن نظرية أدورنو لها الإمكانية بأن تدمج الاقتصاد السياسي بالرؤى السيميولوجية، وأيضاً توجه نقداً للكلام عن أن المستهلكين بإمكانهم أن يستخلصوا من الثقافة الشعبية أي معانٍ وتفسيرات يرغبون فيها (نفسه؛ ص34-35). وعلى أية حال يرى أن أدورنو قد ذهب بعيداً في مزاعمه عن المعايرة. ويستعمل المثال عن الدو-ووب ليطور نقده. يعرّف جندرون الدو-ووب كما يلي :
"فرقة ذات أسلوب صوتي، تمتد جذورها إلى تراث الرباعية الإنجيلية السوداء، التي ظهرت في زوايا شوارع المدينة الداخلية في الخمسينيات وأسست حضوراً متميزاً على خرائط الموسيقى الشعبية بين 1955و 1959. وميزتها الأكثر اختلافاً هي استعمال الخلفية الصوتية كي تأخذ دور المصاحبة الآلية، ودور الاستجابة، المناداة التينورية العالية أو الفاليستو للمغني الأول. وطبقاً لذلك تبدع الأصوات الخلفية هارموني إيقاع طباقي ثانوي من خلال مقاطع صوتية لا معنى لها مثل ‘شوو-دوو-بي-دوو’،‘أوو –واا،أوو-واا’‘شاا-نا-نا’،و هكذا."
(نفسه؛ص24)
يرى جندرون أن هذه الموسيقى قد تعيرت تعاقبياً وتزامنياً، ففي الأول لأنها اعتمدت على نماذج الأغنية القديمة إما "لتن بان ألي" أو الإيقاع و الأحزان، والثاني بسبب التشابه القريب بين أغاني الدو-ووب والتبادل الداخلي بين أجزائها، مثال ذلك المقايضة ل"الشو-بي-دوس" لإحدى الأغاني مع ال "دم-دم-دي-دمز" لأخرى.
إحدى المصاعب في عمل أدورنو، كما يرى جندرون، يقع في فشله في التمييز بين الأعمال الفنية النفعية مثل السيارات والكاديلاك، والأعمال الفنية النصية كالموسيقى الشعبية وفرقة الدو-ووب على أنها تشبه الكاديلاك. إن استعمال الاختراعات التقنية في إنتاج أعمال فنية عادة ما يعزز عملية المعايرة مادام بإمكانها زيادة المدى الذي يمكن فيه لأجزاء، دعنا نقول، نمط معين من السيارات أن تبدل بأجزاء أخرى. على أية حال، مع الأعمال الفنية النصية بإمكان المستجدات التقنية التمييز بين الفرق الشعبية والأساليب الموسيقية – مثال ذلك استعمال فرقة البيتلز تقنيات الشريط التجريبية –مما لا يجعلهم متشابهين. (نفسه؛ص26). وكذلك فإن إنتاج الأعمال الفنية النصية متميز من خلال أن ما هو منتج في الأساس هو مادة منفردة "شاملة"، الأغنية أو سلسلة من الأغاني، وليس سلعة من الممكن أن يعاد إنتاجها بكميات كبيرة بتقنيات خطية تجميعية. فما أنتج هو أغنية خاصة منفردة في أستوديو تسجيل من قبل مجموعة مغنين و موسيقيين ومهندسين وما إلى ذلك. إنها تصبح نفعية فقط حين تنتج أو يعاد إنتاجها بأعداد كبيرة على أنها شريط مسجل. إن الأعمال الفنية النصية منها والنفعية هي نتيجة عمليات مختلفة من الإنتاج. لذلك فالموسيقى مثل أكثر الثقافة الشعبية، لا يمكن أن تعامل على أنها مثل منتج تجاري.
الأعمال الفنية النفعية والنصية، كما يستمر جندرون في الملاحظة، كلها موضوع لمختلف أنواع الاستهلاك. لو أن الأعمال الفنية النفعية قد أقتنيت ووجدت مفيدة فإنها سوف تقتنى ثانية حين الطلب. وهذا صحيح للسلع، كالسيارات، التي تباع نسبياً على نحو محدود. ولكن لو أن عملاً فنياً نصياً مثل الشريط المسجل قد بيع ونجح، فلا يعني هذا أنه هو نفسه سوف يباع ثانية. مهما يكن انطباعك عن هذا الكتاب، فمن غير المحتمل أن تخرج لتشتري نسخة أخرى. ما الذي من الممكن أن تفعله، بأية حال، هو أن تشتري نوعاً مشابهاً للكتاب (إن وجدت واحدا). إن أحببت الدو-ووب فقد تشتري أمثلة مختلفة من الأسلوب، ولكن لا تشتري الشريط نفسه مرتين. هذه واحدة من الأسباب لظهور ‘الأجناس’ في الثقافة الشعبية و أهميتها في تنظيم المتعة. هذا يعني أن، على الرغم مما يطرحه أدورنو، فإن الأغاني الشعبية تعلن فرديتها (فهذه الأغنية، وهذا المثال للدو-ووب وليس غيره) وأيضاً تبادليتها (إذا أحببت هذه الأغنية، هذا النموذج للدو-ووب فهذا يعني أنك قد تحب نماذج أخرى من الأسلوب عينه أو الجنس عينه). بهذا المعنى، "قد نعد المعايرة ليست فقط تعبيراً عن الصرامة بل أيضاً مصدراً للمتعة" (نفسه ؛ص29). إن المتعة التي ينالها الناس من الموسيقى الشعبية تأتي كثيراً من وعيهم للمعايرة مثلما تأتي من أي اختلاف مدرك أو فردية توعز لأي أغنية معينة.
ويوجه جندرون إنتقاده كذلك لفكرة أدورنو عن المعايرة التعاقبية لأنها تتضمن أن أساليب الموسيقى الشعبية لا تتغير أبداً. إنه يقترح، بالطبع، أنها تتغير بالتأكيد. وعودة إلى التمييز بين الجوهر والمظهر يقدم هذه الفكرة: "يقترب أدورنو من الموسيقى الشعبية من وجهة النظر الغربية للموسيقى الكلاسيكية"؛ لو أننا نظرنا إلى الموسيقى الشعبية من خلال تقاليدها، فالخط بين الجوهر والمظهر سوف يرتسم باختلاف تام" (نفسه ؛ص30). بالنسبة للموسيقى الكلاسيكية الغربية، تنال الأغاني الحصة نفسها من الجوهر الموسيقي لو أنها تقاسمت الألحان ذاتها والهارموني وتواليات التآلف النغمي نفسه، بينما الصوت و"الإحساس" والتضمينات للأغنية تشكل مظهرها. على أية حال ليس ثمة سبب للافتراض أن هذه الكهنوتية لها علاقة وثيقة الصلة بالموضوع. ولا حاجة بها لأن تكون منغلقة عن التغيرات. "ركزت الموسيقى الكلاسيكية الغربية على اللحن والهارموني، بينما الموسيقى الشعبية المعاصرة تركز على الجرس الصوتي والتضمين"، و جوهر تضمينات الدو-ووب هي "الثقافة الشعبية لمراهقي الخمسينيات و زوايا الشارع المديني" (نفسه ؛ص31). إن مما لا شك فيه وضوح ما يشكل الجوهر والمظهر للأعمال الفنية النصية؛ وقد تختلف راديكالياً عن مختلف الأنماط الموسيقية.
وهذا قد يؤدي إلى خطوة أبعد لأن جندرون يناقش المدى الذي من الممكن أن تطبق فيه مصطلحات الجوهر والمظهر على الموسيقى الشعبية. إنه يفعل ذلك على أساس السرعة التي تتغير وفقها أساليب الموسيقى الشعبية:
"إن التحولات الراسخة في الأجناس الموسيقية تشكل على الأقل شاهداً بديهياً بأن تحولات مهمة تحدث في تاريخ الموسيقى الشعبية. كان الناس قد استمعوا قبل الروكن رول، إلى موسيقى الرجتيم والدكسيلاند والسوينغ والكروننغ والبيبوب والرذم والبلوز وغيرها كثير. ومهما كانت تشابهات هذه الأساليب الهارمونية واللحنية فإنها اختلفت موضوعياً في الجرس الصوتي والإثارة والتضمين والتعبير. مع مجيء الروكن رول، تسارعت خطوات التغيير. فالسنوات الثلاثون لفترة الروك قد شهدت مجيء وذهاب الدو-ووب والروكابيلي وصوت فريق البنت وموسيقى الموج والغزو البريطاني والروك السايكدلك(التخدير) والمعدن الثقيل والبانك، لو سمينا القليل منها فقط. بينما قد يقال أن هذه مجرد تقليعات، ولذلك تعد التغييرات فيها سطحية، ولكن مثل هذا النوع من الرد يفشل في الوصول إلى الاختلافات المهمة الملحوظة من قبل بين الأعمال الفنية النصية والنفعية. ففي الأخيرة من الممكن أن تتغير التقليعة وتبقى الميكانيكية نفسها موجودة. أما في النص، فليس ثمة ميكانيكية لتمييزها عن التقليعة، لأن النص هو كله للأسلوب أو كله للتقليعة ".
(نفسه ص32)
إن فكرة أدورنو عن المعايرة التعاقبية تعاني من الصعوبات في معالجة إشارة من هذا النوع. وكما يشير جندرون، بالنسبة لأدورنو من المحتمل أن يعد ذلك دليلاً على الاستمرارية أكثر مما هو دليل تغيير، عن كيفية أن المعايرة الحتمية للموسيقى الشعبية قد غلفت بأناقة بأسلوب جديد عابر. ولكن كما يستمر جندرون في الملاحظة، فإن هذه الاستجابة تفشل في تقييم كيف أن من الصعب تعريف الجوهر المعير من الموسيقى الشعبية دون الاعتماد على تقليعاتها المتحولة و أجناسها. و لتقديم الأخيرة في تحليل يطلق اعتبارات الصوت و السياق و المتعة و الاستعمال والتاريخ .
تقييم نقدي لمدرسة فرانكفورت
لقد أفردت مدرسة فرانكفورت عموماً بفشلين محددين؛ أولاً فشلها في العثور على إثبات أكيد لنظرياتها؛ وثانياً اللغة الغامضة والصعبة التي عبرت بها عن آراءها. ومما استخلصته من آراء أدورنو من الواضح أنه قليلاً ما حاول القيام بإسناد مزاعمه تجريبياً. مثال ذلك مناقشته بخصوص المستمع النكوصي ليس فيها ما يدل على وجود المستمعين الحقيقيين. بل انها تعتمد على موضوع مستنتج معرّف من قبل نظريته. لذلك تتعزز آراءه من خلال تحليله لأن ليس ثمة طريقة من الممكن أن تعارض بها بوساطة الدليل التجريبي. ولربما تكون قضية أدورنو بأن المستمعين الحقيقيين الذين في حالة نكوص حتى الآن، قد اصبحوا "صبيانيين"، مما يجعل آراءهم لا تستحق الاهتمام. على أية حال، فحتى تحليله لصناعة الثقافة مبني على مميزات منتجاتها كما يفهمها، وليس مبنياً على أساس تحليل تجريبي لها بوصفها أنموذجاً تاريخياً للإنتاج الصناعي (مردوخ و غولدنغ :1977؛ص18-19).
والدفاع نفسه يمكن أن يرفع ضد النقد بأن أفكار المدرسة تنقل بلغة غامضة وصعبة المنال. إن مجتمعاً تهيمن عليه وثنية السلعة و قيمة التبادل وصناعة الثقافة، والذي تكون فيه اللغة المتداولة فاسدة أيضاً، لا يمكن أن يوصف إلا بلغة تقاوم الوثنية والأيديولوجيا والسوق. فمن أجل هذه المهمة، لا تنجح إلا اللغة الصعبة. لذلك من المستحيل وصف الثقافة الشعبية بمفرداتها. لابد لها من أن توصف بلغة النظرية التي تحمي نفسها من التلوث من خلال غموضها. ومن أجل هذا السبب أيضاً يدعم قضية الموسيقى الطليعية لأنها، في رفض الشعبية والمعايرة والصعوبة، ترفض الوثنية السلعية وقيمة التبادل و صناعة الثقافة. وفي الواقع، ليس كل عمل مدرسة فرانكفورت بهذه الصعوبة و الغموض. من المؤكد، أن مقالة أدورنو الشهيرة عن الموسيقى الشعبية(1991) ليست صعبة القراءة، إلا حيث تناقش النظرية الموسيقية. لكن الطبيعة المستغلقة تقريباً للكثير من كتابات المدرسة لابد أن توضع على حدة بعيداً عن الخبير والمتهور.
هذا الرفض للوضوح الأسلوبي قد ربط إلى فكرة المدرسة عن دور النظرية. إن أفكار مدرسة فرانكفورت، التي يطلق عليها أحياناً النظرية النقدية، تؤكد أن النظرية نوع من مقاومة النوازع التجارية للإنتاج الرأسمالي والتمسك الآيديولوجي بالوثنية السلعية. ولكنها من الممكن أن تعمل فقط من خلال الطريقة التي تعمل بها الموسيقى الطليعية لو أنها رفضت التجريبية التي تتطلب أن تؤسس النظريات على نوع من الدلالة، وتحمي نفسها خلف لغة غامضة وصعبة. إن نظرية المدرسة واللغة يسمحان لها أن تقف بعيداً و تنتقد العالم الرأسمالي "ذو البعد الواحد" فكرياً وثقافياً. على أية حال هذا الموقف ممكن فقط إذا كانت النظرية صحيحة. ولكن هل هي كذلك؟
كي نطور نقداً لنظريات المدرسة، علينا العودة أولاً إلى مشكلة النخبوية. تصف النخبوية الهدف الذي يحدده أدورنو للنظرية النقدية والموسيقى الطليعية. إن النخبة والمتنورين أقلية، ومن خلال توليهم ممارساتهم الفكرية والثقافية، من الممكن أن يعزلوا أنفسهم عن النشاطات المتدنية للجماهير وبذلك يقاومون سلطة صناعة الثقافة. تصف النخبوية الطريقة التي يفترضها أدورنو بأن الأنواع الأخرى من الموسيقى من الممكن الحكم بشأنها وفقاً لمعرفة صلاحيتها من خلال معايير الموسيقى الكلاسيكية الغربية. وهذا واضح عبر تشخيصاته للمستمع النكوصي. المعايير التي يستعملها أدورنو للتمييز بين الثقافات ممثلة بفهمه للقيم الشاملة للموسيقى الكلاسيكية والطليعية. إنها (أي المعايير) مستخلصة من موقع المثقف النخبوي. ومن هذا المنطلق، علينا تقدير تعليقه التالي: "إن التجربة الفنية الواعية وكاملة التركيز ممكنة فقط لأولئك الذين لا يعيشون حياتهم بتوتر مما يقتضي أن يريدوا في أوقات راحتهم أن يستريحوا من الملل والجهد بين الحين والآخر" (1990؛ص310). إن الفن لا يمكن أن يقيم على نحو صحيح إلا من قبل نخبة مميزة، وهي نخبة مميزة إما لأن أفرادها غير مضطرين للعمل، أو لأن عملهم مثير جداً وممتع، ولكنه لا يجلب أبداً التوتر الجسدي. وتواجه النخبوية دائماً المشاكل عندما تنشغل بالتحليل الثقافي والاجتماعي لأن المعايير التي تؤسس عليها نفسها تتحول لتكون عشوائية وليست موضوعية، إنعكاس للموقع الاجتماعي لمجاميع معينة وليس لقيم شاملة (بورديو:1984؛ص11-57).
وكما رأينا، يناقش أدورنو أن إنتاج واستهلاك الثقافة في المجتمعات الرأسمالية من المحتم أن يكون ذا معايير. وعموماً، فإن هذا لا يغفل الاختلافات بين الأعمال الفنية النصية والنفعية، كما يرى جندرون، بل يفشل في فهم كيف يتم تعيير الثقافة، وبضمن ذلك أنواع من الثقافة النخبوية مثل الموسيقى الكلاسيكية والأشكال الفنية قبل الثورة الصناعية كالموسيقى التراثية الشعبية. إن بعض عناصر المعايرة مطلوبة كي يتم عبرها التواصل. إن ظهور معايير الثقافة الشعبية، كالموسيقى والأفلام، ليس من الضروري أن تكون من منتجات أعمال الصناعة الثقافية بل هي متأتية من علاقة غير متكافئة بين المنتجين والمستهلكين للثقافة الشعبية. لو أن صناعة الثقافة بهذه القوة لماذا تجد من الصعوبة أن تقرر من أين يأتي نجاح الشريط القادم أو الفلم ؟
قد يكون من الجيد أن تكون الثقافة الشعبية شعبية بسبب المتع التي يستخلصها مستهلكوها من معياريتها. إن وجود الأجناس، مثلاً، من المحتمل أن يكون تبعاً لتوقعات الجمهور حول تنظيم المتعة وفقاً لسلطة صناعة الثقافة. إن الأجناس تنتج وفقاً لمبدأ الفائدة والسوق وتوفير ما تآلف الجمهور عليه، على الرغم من أن ذلك لا يتم بطرق متوقعة. إن السوق المربح للأجناس يقابل بإنتاج يوازن المعايرة والدهشة، وليس المعايرة والفردية – المزيفة. قد يكشف لنا التحليل التاريخي أن التغيرات في أمزجة الجمهور كانت السبب الرئيسي في التغيرات في أنواع الأفلام. وكما اقترح جندرون، فقد يكون من غير الممكن تطبيق تمييز الجوهر-المظهر على الموسيقى الشعبية، جوهر أنواع الأفلام يحتوي على خليط من التوقع والدهشة وهذا هو ما مدرك في أسلوب الفلم. في كل ذلك، تساعد الأنواع أو الأجناس الجماهير على تخصيص ما يودون رؤيته أو يسمعونه وما لا يودونه. الأجناس المستقلة، وتلك التي تتضمن أشكالاً مثل أفلام الفن، هي شعبية مع جمهورها إلى المدى الذي ترتبط فيه الثيمات المعيارية والأيقونية مع التنويعات والاندهاشات ضمن سرد مفهوم. لو أن هذا الخط العام للأجناس مقبول على الإطلاق فإنه يشير إلى أن الأجناس أكثر عرضة للتغيير مما يضمن ذلك أدورنو مادامت تتعلق وتكون نتيجة لظروف تاريخية محددة.
إحدى النقاط الرئيسية للارتباط التي تطرحها نظرية أدورنو هي وجهة نظره عن الجمهور الذي يستهلك منتجات صناعة الثقافة. و أظهرت الدراسات كيف أن جمهور الثقافة الشعبية هو أكثر تمييزاً ونقداً في ما يستهلكه من نظريات الثقافة الجماهيرية أو ما تسمح به صناعة الثقافة. ويظهر الجمهور قادراً على الانشغال في التأويلات الفعالة لما يستهلكه وهذا ما لم يصفه أدورنو بدقة في فكرته عن المستمع النكوصي. من الواضح أن الجمهور ودونما شك ذو سلطة مثل المصانع التي تنتج الثقافة الشعبية، و لكن هذا ليس سبباً لأن نفهمهم، كما يفعل أدورنو، بأنهم "أفيون الثقافة".
هذه المشكلة مركبة بوضوح من قبل نخبوية أدورنو. في مناقشة مودلسكي عن الذكورة والأنوثة في التمييز بين الثقافة الرفيعة والجماهيرية، ثمة إشارة إلى أن اللامساواة الاجتماعية بين الذكورة والأنوثة يعاد إنتاجها في التمييز بين الثقافة الرفيعة والجماهيرية، حيث يتم ربط الأولى بالفعالية والإنتاج والفكر، والثانية مع السلبية والاستهلاك والانفعال. والشيء نفسهه نجده لدى أدورنو في عمله. مشيراً إلى مرجعياته كأنها "الفتاة التي خلف المنضدة"، أو "الفتاة التي جل ما ترغب فيه هو أن تبقى هي وصديقها "يبدوان بخير" "(1991ص35). على أية حال، من الممكن أيضاً أن نجد في عمل أدورنو نوعاً مشابهاً للتمييز الكهنوتي حيث يتحول البالغين إلى صغار بوساطة صناعة الثقافة. والدليل موجود في استعماله لمجاز الصبيانية لتمييز المستمع النكوصي والاستماع النكوصي. وفي حالته تنتج الصبيانية من استهلاك منتجات صناعة الثقافة. ولكن فكرة الصبيانية لا تفشل فقط في أن تنقل بدقة ما الذي يفعله البالغون عندما يستهلكون الثقافة الشعبية، بل أنها لا تصف حتى استهلاك الثقافة الشعبية من قبل الأطفال. هذا المجاز، من الممكن مناقشته، على أنه شكل من الوثنية التصورية التي تخفي حقيقة أن التصور للاستماع النكوصي يفتقد للأساس التجريبي.
وعلى الغرار عينه توجد الصعوبات نفسها في محاولة مدرسة فرانكفورت للحصول على تمييز بين الحاجات الصحيحة والمزيفة، بين الحاجات المزيفة لبضائع الثقافة الشعبية المفروضة والتي تقابل من قبل صناعة الثقافة، والحاجات الصحيحة أو الحقيقية نحو الحرية والسعادة واليوتوبيا المقهورة من قبل صناعة الثقافة. هذا النقاش قريب جداً من كتابات ماركوز، ولكن كما رأينا، يناقش أدورنو أن "الإشباع البديل الذي تعده صناعة الثقافة للناس يخدعهم من خلال السعادة نفسها التي تنشئها بصورة خادعة … إنها تعترض سبيل التطور للأفراد المستقلين بذواتهم الذين يحكمون ويقررون أمورهم بوعي" (1991؛ص92 ) .
ثمة مشكلتان مرتبطتان بهذا: كيف يكون من الممكن التمييز بين الحاجات الصحيحة والمزيفة ؟؛ وكيف يتم التعرف على الحاجات الصحيحة؟ لماذا يجب أن توصف الحاجة الاستهلاكية مثل الغسالة الكهربية بأنها حاجة مزيفة ؟ مبدأياً، تجعل الغسالة الكهربية من العمل المنزلي الممل أكثر سهولة. ولذلك قد تكون الحاجة إليها حقيقية جداً. وقد يحتاج الناس إلى إشباع ثقافي ذاتي، ولكنهم بحاجة إلى غسل الملابس أيضاً. و الشيء نفسه، فقد استثمرت السلع الاستهلاكية بأهمية أكثر مما هي في حقيقتها. وما قد يبدو إشارة إلى انحطاط ثقافي من وجهة نظر ما، قد يبدو من وجهة نظر أخرى مجرد طريقة أكثر إتقاناً في عمل شيء ضروري. وكما أصر غولدثروب "ربما يكون ماركوز والمفكرون من أمثاله بحاجة للتذكير بأن الغسالة الكهربية هي غسالة كهربية هي غسالة كهربية " (1969؛ص184). و يستمرون في المزاج نفسه:
"ليس من الواضح لنا لماذا يجب أن تعد استجاباتنا إزاء الأدوات المنزلية المريحة اللائقة ، وحتى إزاء الحاجات الترفيهية مثل أجهزة التلفزيون والسيارات، بأنها تعلن عن قوة الحاجات المزيفة؛ عن حاجات "مفروضة على الفرد من قبل التأثيرات الاجتماعية الخاصة في كبحه" [ماركوز:1972؛ص5]. كذلك من الممكن عد أسباب المتع والامتلاك التي يجاهد من أجلها الأزواج في عينتنا على أنها تمثل شيئاً يشبه الأساس المادي الأقل التي قد يستطيعون هم وأطفالهم تطوير أسلوب في الحياة أكثر تميزاً، ذو مدى أوسع من الاختيارات، أكثر مما هو ممكن هنا لدى جماهير قوة العمل اليدوي ".
(نفسه؛ص183-184).
في هذا السيناريو، ينظر للحاجات الصحيحة بأنها مجردة، خارج التاريخ ومظاهر يوتوبية للطبيعة البشرية، وهي مع ذاك توضع في ظروف دقيقة وتاريخية واجتماعية. هذا يعني أن المحاولة للتمييز بين الحاجات المزيفة والصحيحة بالطريقة التي لها مسند تجريبي ليس لها أية قيمة. وكذلك، فالصعوبات المتضمنة في المحاولة في تعريف الحاجات الصحيحة بمصطلحات خارج التاريخ نادراً ما تطرح. كيف يمكن أن تعرف الحاجات دون الرجوع إلى تعريفها الاجتماعي والتحول التاريخي والإشباع العملي (أو اللاإشباع)؟سيبدو من الصعب جداً تعريف الحاجات بطرق لا تشير إلى خواصها التاريخية و الاجتماعية والثقافية. وحتى لو أن الحاجات قد حسمت عموماً بأسلوب ما، فعليها أن تبنى اجتماعياً من أجل أن تشبع أو من أجل عدم إشباعها كي تعرّف. لهذه الأسباب وغيرها، من الصعب أن نجد، في مدرسة فرانكفورت، الأسس التصورية التي يبنى عليها التحليل السوسيولوجي للثقافة الشعبية.
ويهدف والتر بنيامين إلى تقييم تأثيرات الإنتاج الواسع والاستهلاك، وتأثيرات التقنية الحديثة على حالة العمل الفني، بالإضافة إلى تورطاتها إزاء الأشكال المعاصرة للفن الشعبي أو الثقافة الشعبية. يناقش بنيامين أن العمل الفني، وفقاً لانغماره الأصيل في الشعائر الدينية والاحتفالات، يكتسب نوعاً من "التميز" يكون شاهداً على سلطته وتفرده، إنفراده في الزمان والمكان. و لأن العمل الفني قد وضع في مركز الممارسات الدينية التي تشرّع ثقافياً وتكثف اجتماعياً النظام المهيمن، فقد حصل، عبر هذه الوظيفة الطقسية، على التميز المصاحب للدين.
ولأن الفن ضمن هذا النسيج التراثي، فبإمكانه أن يسترد تميزه مستقلاً عن دوره الطقسي في الاحتفالات الدينية. وقد سرّعت هذه العملية بالتغييرات التي صاحبت النهضة التي وسعت من دنيوية العمل الفني وموضوعه. وقد بدأت بؤرة التركيز الفني بالتحول من الموضوعات الدينية إلى موضوعات دنيوية. لقد أسست النهضة للنضال من أجل الاستقلال الذاتي لفن. وتعلق هذا النضال بالأفكار بأن العمل الفني متفرد حسب نظامه هو، دون اعتبار لأية تقييمات دينية، وأن تكون فناناً كان يعني نداءً باطنياً متفرداً، تقوده رؤيا متميزة في حقائق الوجود البشري، نوع من المعرفة السامية الموجودة في تميز العمل الفني.
والملاحظة هنا، بالنسبة لبنيامين، أن ذلك يجب أن لا ينظر إليه عبر أسلوب سلبي. العمل الفني القابل للتناسل لم يفقد فقط تميزه واستقلاله الذاتي، بل أصبح متيسر لمزيد من الناس. القيمة الطقسية للعمل الفني أبدلت بقيمة عرضه. فلا يعرض لنا الفلم والصور الفوتوغرافية فقط أشياء ربما لم نرها أبداً من قبل أو أدركنا وجودها (نفسه؛ ص236) ولكن أيضاً يغيران الشروط التي يستقبل بها الناس هذه الأشياء. "التناسل الميكانيكي للفن يغير رد الفعل للجماهير إزاء الفن" (نفسه ؛ص263) في السماح بالمشاركة في استقباله وتقييمه. وهذا لأن الفنون الشعبية متيسرة أكثر للكثير من الناس وتفسح المجال لتقييمهم النقدي. مثال ذلك :
"أن الرسم ليس في موضع تقديم موضوع للتجربة المشتركة معاً، مثلما هو الحال مع فن العمارة على مدى الأزمنة والقصيدة الملحمية في الماضي وكذلك السينما اليوم. وعلى الرغم من أن هذا الظرف لابد أن لا يقود إلى استنتاجات حول الدور الاجتماعي للرسم، فإنه يمثل تهديداً حالما يتواجه الرسم...مباشرة بالجماهير. ففي كنائس و معابد القرون الوسطى وفي القصور الأميرية حتى نهاية القرن الثامن عشر، لم يحدث الاستقبال الجماعي للرسوم معاً، بل بين أوساط الطبقة العليا والطبقة الكهنوتية فحسب. التغير الذي حصل هو تعبير عن الصراع الخاص الذي تورط به الرسم بوساطة التناسل الميكانيكي للرسوم. على الرغم من أن الرسم بدأ يعرض في قاعات وصالونات، فلم يكن ثمة من سبيل للجماهير في أن تنظم وتتحكم بنفسها في استقبالها للرسم. لذلك فالجمهور نفسه الذي يستجيب بأسلوب تقدمي تجاه فلم غرائبي، نجده يوشك أن يستجيب بأسلوب رجعي للسريالية."
(نفسه ؛ ص237).
بالتضاد مع الرسم يكون الفلم الصوتي "هائلاً" في ‘إدراك الواقع’، وفي منح الجماهير الفرصة في تقييم ما أدركه. وطبقاً إلى ذلك ، يلاحظ بنيامين:
"من الممكن تحليل موضوعات السلوك التي تظهر في السينما بدقة أكثر من خلال وجهات نظر أكثر مما حاصل في الرسم أو على المسرح … فمن ناحية، يوسع الفلم استيعابنا للضرورات التي تقود حياتنا، ومن الناحية الأخرى يتمكن من أن يؤكد لنا وجود حقل كبير وغير متوقع للفعل … فمع اللقطة القريبة يتسع المكان، ومع التحريك البطيء تمتد الحركة …. دعونا نقارن الشاشة التي يعرض عليها الفلم مع جنفاص الرسم. يدعو الرسم المراقب للتأمل؛ وأمامه يمكن للمراقب أن يترك نفسه لتداعياته. أما أمام الهيكل السينمائي فلا يستطيع ذلك. فما أن تمسك عينه بالمشهد حتى تكون قد تغيرت ولا يمكن أن تؤسر …. إن الجماهير تمثل الرحم الذي يظهر منه كل السلوك التقليدي نحو العمل الفني في شكل جديد اليوم. تحولت الكمية إلى نوعية. إن الجمهور المتزايد للمشتركين قد أنتج تغيراً في صيغة الاشتراك".
(نفسه ؛ص237-238-240-241)
لذلك يلح بنيامين على الديمقراطية والاشتراك دون التحكم والحسم القمعي للثقافة الشعبية المعاصرة. هذا الموقف، على الرغم من أصالته اللافتة للنظر، ليس خالياً من المشكلات هو نفسه، وهي تتضمن العلاقة بين السلطة والفنون الشعبية الجديدة فضلاً عن التفاؤل التكنولوجي المبالغ فيه. لكن اهتمامي هنا لا ينصب في كتابة تقييم مفصل عن مقالة بنيامين، بل وددت عرض تقييم نقدي لعمل مدرسة فرانكفورت لأوضح الهامش النقدي لتحليل بنيامين ل "العمل الفني في عصر التناسل الميكانيكي".
ارسال موضوع - عرض التعليقات (12)
vnbhsvrzlm - أغسطس / آب 15, 2010
xL8RxX <a href="http://xylsqfmlasaw.com/">xylsqfmlasaw</a>, [url=http://cmszsktyrqmw.com/]cmszsktyrqmw[/url], [link=http://ekeurquvmthq.com/]ekeurquvmthq[/link], http://nmnjmyktsgck.com/
iirtnufkvs - أغسطس / آب 14, 2010
PnwIvF <a href="http://zzgcaahlcuds.com/">zzgcaahlcuds</a>, [url=http://bbtfyzczjcqz.com/]bbtfyzczjcqz[/url], [link=http://ceayjcsirnej.com/]ceayjcsirnej[/link], http://bvthbeqfeaur.com/
uyjyzgcudhm - يونيو / حزيران 8, 2010
OKVyQq <a href="http://krkigntwixvn.com/">krkigntwixvn</a>, [url=http://pinoqvyxskeh.com/]pinoqvyxskeh[/url], [link=http://xsjuytvxbjng.com/]xsjuytvxbjng[/link], http://gbrmbhifaftl.com/
dylvtuvued - يونيو / حزيران 7, 2010
z4nUw1 <a href="http://czivzkbmxiqi.com/">czivzkbmxiqi</a>, [url=http://rsvvuyfhttgx.com/]rsvvuyfhttgx[/url], [link=http://ykuklcmxfbza.com/]ykuklcmxfbza[/link], http://iavdrltietou.com/
hhhqkl@tcouzm.com - إبريل / نيسان 6, 2010
WXr7i8 <a href="http://mrlqdvxphswm.com/">mrlqdvxphswm</a>, [url=http://ccujyekjeebe.com/]ccujyekjeebe[/url], [link=http://erxproildzqe.com/]erxproildzqe[/link], http://fmvuaiiuhxim.com/
upwvqw@lkvfgb.com - إبريل / نيسان 6, 2010
l41HBd <a href="http://ojmfbfxtxhnt.com/">ojmfbfxtxhnt</a>, [url=http://kgqclovgmsnw.com/]kgqclovgmsnw[/url], [link=http://jamlogshdqxn.com/]jamlogshdqxn[/link], http://skbhbyrpsype.com/
vqqshpwa - فبراير / شباط 17, 2010
tcvNQJ <a href="http://zpjeawseuvjd.com/">zpjeawseuvjd</a>, [url=http://utkgmdlowdqb.com/]utkgmdlowdqb[/url], [link=http://mgmwbqdfzliv.com/]mgmwbqdfzliv[/link], http://amrgifzrmize.com/
uolbesupre - فبراير / شباط 17, 2010
DPWm4T <a href="http://vhynyyizvzda.com/">vhynyyizvzda</a>, [url=http://jnpjuyynhxho.com/]jnpjuyynhxho[/url], [link=http://issnbtfhuiqi.com/]issnbtfhuiqi[/link], http://nbbmijbchezi.com/
yuegkmr - فبراير / شباط 17, 2010
ta3h7L <a href="http://glwppkzgzewy.com/">glwppkzgzewy</a>, [url=http://vvklytxkgvyq.com/]vvklytxkgvyq[/url], [link=http://gewrmyuzbqiz.com/]gewrmyuzbqiz[/link], http://ejnntlnfwktg.com/
jdvgqh@khqkgu.com - ديسمبر / كانون الأول 29, 2009
qiJ9d5 <a href="http://dhscowefvhum.com/">dhscowefvhum</a>, [url=http://oimiqfklvdqd.com/]oimiqfklvdqd[/url], [link=http://zkjpznvnsmyk.com/]zkjpznvnsmyk[/link], http://jmpxcqxxkmsv.com/
uahldt@pycbwu.com - ديسمبر / كانون الأول 29, 2009
JVAQaV <a href="http://neqpzcamwtlq.com/">neqpzcamwtlq</a>, [url=http://ytokypumoaem.com/]ytokypumoaem[/url], [link=http://vogidazxozjm.com/]vogidazxozjm[/link], http://xlditdjhjtyj.com/
ybkobj@fyrlly.com - ديسمبر / كانون الأول 29, 2009
2Apjfc <a href="http://fhrssvzjafte.com/">fhrssvzjafte</a>, [url=http://xxzkawlheepi.com/]xxzkawlheepi[/url], [link=http://hrjixxgeonaa.com/]hrjixxgeonaa[/link], http://kmghfmkhzzpx.com/